ما المقصود باللّيالي العشر؟ وأيّها أفضل العشر الأواخر من رمضان أو العشر الأولى من ذي الحجة ؟
ج/ في جميع هذا خلاف بين العلماء؛ أمّا اللّيالي العشر في قوله تعالى: (والفجر وليال عشر) فقيل هي:
ــ العشر الأواخر من رمضان، وقال الأكثر هي ــ الأيام العشرة الأولى من ذي الحجة أطلق عليها ليال من باب إطلاق الليالي على الأيّام، وهو سائغ كما في قوله تعالى: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة) أي أربعين يومًا؛ لكن الرّاجح أنّها عشر رمضان لأنّه لم يرد إطلاق الليالي صراحًا على عشر ذي الحجّة بل هي على أصل التّسمية: أيّامٌ كما قال تعالى: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)
والخلاف أيضًا في الأفضل في العام؛ هل هي عشر رمضان أم عشر ذي الحجّة :
ــ فقيل: عشر رمضان لأنّ فيها ليلة القدر وهي خير من ألف شهر ولذلك كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها...
ــ وقيل: بل عشر ذي الحجّة لـحديث الصّحيح "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام ..." ولـحديث: "أفضل أيّام الدّنيا العشر" يعني عشر ذي الحجّة.
والرّاجح ـ والله أعلم ـ وهو الذي اختاره المحقّقون ـ أنّ التّفاضل هو باعتبارين :
ــ فباعتبار الليالي: أفضل ليالي العام هي العشر الأواخر من رمضان، وأنّها التي قال تعالى: (وليال عشر)
ــ وباعتبار الأيّام: أفضل أيّام العام هي العشرة الأولى من ذي الحجة (أيام معلومات).
والله تعالى أعلم.
فضل عشر ذي الحجة
■ أولاً: فضل العمل الصالح في عشر ذي الحجة :
أخرج البخاري وأبو داود والترمذي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ». يَعْنِى أَيَّامَ الْعَشْرِ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ «وَلاَ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَىْءٍ». لفظ أبي داود.
■ ثانياً: فضل الصوم فيها :
دل على استحباب الصوم فيهن عموم الحديث السابق، ولهذا أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة في كتب الصوم من سننهم.
وجاء في فضل الصوم بخصوصه حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (26460) قال: " حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْأَشْجَعِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ، عَنِ الْحُرِّ بْنِ الصَّيَّاحِ، عَنْ هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: " أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صِيَامَ عَاشُورَاءَ، وَالْعَشْرَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ ".
قال الأرنؤوط في تحقيق المسند (44/60) : "وفي هذا الإسناد أبو إسحاق الأشجعي، وهو مجهول، فقد تفرَّد بالرواية عنه هاشم بنُ القاسم، ولم يُؤثر توثيقُه عن أحد".
وجاء في فضله أيضاً حديث أخرجه أحمد برقم (22334) وأبو داود عَنِ الْحُرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنِ امْرَأَتِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ تِسْعَ ذِى الْحِجَّةِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ وَثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ وَالْخَمِيسَ.
وروى عبد الرزاق في مصنفه برقم (8126) عن جعفر بن سليمان عن هشام عن الحسن قال "صيام يوم من العشر يعدل شهرين".
وروى أبو عمر والنيسابوري في كتاب الحكايات بإسناده – كما في لطائف المعارف ص460 - عن حميد قال: سمعت ابن سيرين وقتادة يقولان: صوم كل يوم من العشر يعدل سنة.
قال ابن رجب في لطائف المعارف ص461 : "وممن كان يصوم العشر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وهو قول أكثر العلماء أو كثير منهم".
وجاء في فضل صوم اليوم التاسع منها وهو يوم عرفة بخصوصه حديث أبي قتادة عند مسلم: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِى بَعْدَهُ".
وقد عورضت رواية هنيدة بن خالد المتقدمة بما أخرجه مسلم برقم (1176) عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَائِمًا فِى الْعَشْرِ قَطُّ. وفي رواية: "العشر قط"
قال ابن رجب في لطائف المعارف ص461 : "وقد اختلف جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث؛
1- فأجاب مرة بأنه قد روي خلافه، وذكر حديث حفصة وأشار إلى أنه اختلف في إسناد حديث عائشة، فأسنده الأعمش ورواه منصور عن إبراهيم مرسلاً.
2- وكذلك أجاب غيره من العلماء بأنه إذا اختلفت عائشة وحفصة في النفي والإثبات أخذ بقول المثبت لأن معه علماً خفي على النافي.
3- وأجاب أحمد مرة أخرى بأن عائشة أرادت أنه لم يصم العشر كاملاً يعني وحفصة أرادت أنه كان يصوم غالبَه فينبغي أن يُصام بعضه ويُفطر بعضه.
وهذا الجمع يصح في رواية من روى ما رأيته صائماً العشر، وأما من روى ما رأيته صائماً في العشر فيبعُد أو يتعذَّرُ هذا الجمع فيه ".
وهناك جواب رابع ذكره الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح مشكل الآثار (7/417-418) فقال: " قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ فِيهَا عَلَى مَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا صَامَ ضَعُفَ عَنْ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مَنْزِلَةً مِنَ الصَّوْمِ، وَأَفْضَلُ مِنْهُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَمِنْ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يَخْتَارُهُ لِنَفْسِهِ، فَيَكُونُ مَا قَدْ ذَكَرَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَرْكِهِ الصَّوْمَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ لِيَتَشَاغَلَ فِيهَا بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ فِيهَا لَهُ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَهُ مِمَّا قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَانِعٍ أَحَدًا مِنَ الْمَيْلِ إِلَى الصَّوْمِ فِيهَا لَا سِيَّمَا مَنْ قَدَرَ عَلَى جَمْعِ الصَّوْمِ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سِوَاهُ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ ".
وجواب خامس لابن حجر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك صيامها لأنه كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ.
■ ثالثاً: فضل قيام لياليها :
أقسم الله تعالى بهن فقال: " وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) " قال ابن جرير في تفسيره (24/397) بعد ذكر أقوال السلف فيها : " والصواب من القول في ذلك عندنا: أنها عشر الأضحى لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه ".
قال ابن رجب في اللطائف ص462 : " وأما قيام ليالي العشر فمستحب، وكان سعيد بن جبير - وهو الذي روى هذا الحديث عن ابن عباس - رضي الله عنهما إذا دخل العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه ".
■ رابعاً: فضل الإكثار من الذكر فيها :
قال تعالى: " وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ".
قال ابن رجب ص471 : " وجمهور العلماء على أن هذه الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة منهم ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والنخعي وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه ".
وأخرج أحمد في مسنده برقم (5446) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ ".
■ خامساً: المفاضلة بين أيام وليالي العشر من ذي الحجة وأيام وليالي العشر الأواخر من رمضان :
قال ابن القيم في زاد المعاد (1/54) : " الصواب فيه أن يقال: ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان وبهذا التفصيل يزول الإشتباه ويدل عليه أن ليالي العشر من رمضان إنما فضلت باعتبار ليلة القدر وهي من الليالي وعشر ذي الحجة إنما فضل باعتبار أيامه إذ فيه يوم النحر ويوم عرفة ويوم التروية ".
قلت: تفضيل ليالي العشر الأواخر على عشر ذي الحجة استبعده ابن رجب جداً، واحتج لذلك بأن الله أقسم بهن وهذا لا حجة فيه لأن القسم دليل على الفضل لا على الأفضلية.
واحتج بأن الأيام إذا أطلقت – كما في الحديث- دخلت فيها الليالي تبعاً.
وبزيادة خرجها أبو موسى المديني وهي: "ولا ليالي أفضل من لياليهن".
وقال أيضاً ص466 : " أما صيام رمضان فأفضل من صيامه بلا شك فإن صوم الفرض أفضل من النفل بلا تردد وحينئذ فيكون المراد أن ما فعل في العشر من فرض فهو أفضل مما فعل في عشر غيره من فرض فقد تضاعف صلواته المكتوبة على صلوات عشر رمضان وما فعل فيه من نفل فهو أفضل مما فعل في غيره من نفل ".
ثم قال ص469 وفي فتح الباري: " والتحقيق ما قاله بعض المتأخرين من العلماء أن يقال: مجموع عشر ذي الحجة أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا تفضل عليها غيرها. والله سبحانه وتعالى أعلم ".

تعليقات
إرسال تعليق